علي بن زيد البيهقي
101
تاريخ بيهق
الذي لم تصل غايته مواقع الأقلام ومطالع الأوهام ؛ بينما عامر الشّعبيّ الذي تلقى أخبار هذه المغازي سماعا ، يرويها مفصلة كاملة أكثر من تلك المودعة في خزائن حفظنا . ولما كان الأمر كذلك ، فإن كل من أعرض عن علوم التواريخ ، تطاولت عليه يد الدهر ، وانهالت عليه النوائب من كل الجوانب ، ولم يكن له طريق من المسموع والمنقول ينجيه من تلك الآفات ، فعقله لم يستنز بالتجربة ؛ لأن مسالك الأوهام ، ومناهج الأفهام ، قد بلغت بالقصص والأخبار غاية السعة ، والرجل العالم بالتواريخ يأنس بمعرفة التجربة ونورها : بصير بأعقاب الأمور كأنّه * يرى بجميل الظنّ ما اللّه صانع « 1 » [ 12 ] فائدة أخرى : إن التجربة من فضائل بني الإنسان ، والتجارب مقدمات معلومة في المعارف المعروفة ؛ وإن الوصول إلى الكمال إنما هو بمداد التجربة ، ومهما كان الفكر محكما وثابتا ، فإنه يتيه في ظلمة الوقائع ، وخوف الفجائع ، ولا يمكن لهذا الفكر أن ينور إلا بالتجربة ، والعيش لا يهنأ بسوى معرفة أسباب النفع ودفع الضر ؛ وأشجار الأخلاق لا تزدان إلا بتهذيب التجربة ، وإن من بين العقول عقلا يقال له : عقل التجارب ، فكما أن كمال الثمرة في النضج ، فإن كمال الفكر في التجربة ، ومن الأقوال السائرة على السن العامة قولهم للمجرب : نضيج الرأي . وللتجربة ثلاثة طرق :
--> ( 1 ) عزاه التنوخي ( الفرج بعد الشدة ، 2 / 439 ) لمسكين الدارمي ، والبيت هناك هو : وأني لأرجو اللّه حتى كأنني * أرى بجميل الظن ما اللّه صانع لكنه ورد مع أبيات أخر في عيون أخبار الرضا ( 2 / 78 ) منسوبا لواحد من أهل بيت الإمام موسى ابن جعفر ، وفيه : حتى كأنما .